لا شك في أن العام 2022 كان عاماً محموماً تماماً بصناعة العملات الرقمية العالمية، حيث بلغت القيمة السوقية الإجمالية لها 2.19$ تريليون في بداية العام ولكنها انهارت من جديد بنسبة 63% إلى حوالي 320.7$ مليار بحلول منتصف شهر يونيو مُسببة بذلك حدوث بعض عمليات التحول الواسعة التي عصفت بالمجال. ويعود السبب في ذلك للعام 2021 عندما نفذت البنوك المركزية حول العالم سياسات مالية توسعية هادفة لتعزيز الانتعاش الاقتصادي في أعقاب هجوم جائحة كورونا وانتشارها على نطاق واسع. وقد عززت مثل هذه الإجراءات حالات نمو اقتصاد الأصول الرقمية وبالتالي تحقيق حالات ارتفاع قياسية للعملات المشفرة الرائدة BTC و Ether.

وعلى الرغم من ذلك، بدأت السلطات الرئيسية بحلول أوائل العام 2022 بتنفيذ سياسات مالية انكماشية لمكافحة التضخم الاقتصادي العالمي وبالتالي ستقضي بذلك على شهية المستثمرين للعمل في الأصول المالية المُضاربة. ففي 13 يونيو على سبيل المثال، دخلت أسواق الأسهم المالية الأسواق الهابطة وشهدت واحدة من أسوأ حالات الأداء منذ حواليّ 40 عاماً. وقد أدى بالفعل هذا التغير الكبير عبر المجال الاقتصادي إلى هلاك صناعة العملات المشفرة، حيث أدى الضغط على الأصول التقليدية إلى التخلص من نظائرها من العملات الرقمية.

وبعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير إلى جانب الدور البارز الذي لعبته الأصول الرقمية في تمكين التحايل المالي، جاءت الصدمة الصناعية الأولى في مارس وهي اختراق بورصة Axie Infinity والهجوم على شبكة Ronin Network باعتبارها سلسلة جاذبية قائمة على تقنيات blockchain والمسؤولة عن تشغيل ألعاب الفيديو عبر الإنترنت والقائمة بالفعل على الرموز الغير قابلة للمبادلة NFTs، حيث شهد المُتسللين جزئياً بمبلغ 625$ مليون. وسوف يتم هنا تتبّع الاختراقات الأخرى هذا العام.

كما كان انهيار Terra/LUNA و USD UST أحد أهم العوامل التي هزت المجال بالفعل، حيث توجت TerraUSD في أبريل 2022 نموها على مدار أشهر إلى أن وصلت إلى مستويات قياسية بلغت 119.20$ خلال الشهر. ولكن سيطرت المزيد من الضغوطات الاقتصادية الأخرى على الأسواق المالية، حيث بدأت يوم 9 مايو رموز UST بالانخفاض إلى أقل من 1$ لتنخفض بعدها يوم 13 مايو إلى 35 سنتاً فقط مقابل 1$. وقد شعر من جهته رموز الحوكمة LUNA -المستخدم بالفعل للحفاظ على ربط العملات الأساسية بالدولار الأمريكي- بحرارة الانخفاض إلى أن انخفض بنسبة 96% خلال يوم واحد فقط إلى أن وصل إلى أقل من 10 سنتات بحلول يوم 12 مايو.

وقال بالخصوص رئيس قسم المبيعات لدى شركة Liquid Mercury السيد ريان هانسن: " لقد كان وضع رموز Terra Luna في الربيع السنوي الأخير عبارة عن عملة مستقرة سيئة البنية تمّ بيعها بالفعل بشكل حاد وسريع جداً بمجرد أن فقدت ربطها، وبالتالي لم يكن هناك قصة نجاح طويلة خاصة بها كعملة مستقرة خوارزمية، لذا يعتبر التمسك بالعملات ذات العملة الحقيقية أو الأصول المالية الثابتة أو حتى المُقتنيات الورقية التي يُمكن إثباتها والداعمة للعملة هي على الأرجح أفضل مسار للمضيّ قدماً في هذه الفئة من الأصول المالية ".

وبالتالي، اجتاحت عملية التذبذب التي شهدتها Terra/LUNA جهات إقراض العملات المشفرة Celsius Network و Voyager Digital اللتين أقرضتا أموالاً لصناديق التحوط المشفرة مثل Three Arrows Capital الذي استحوذ بالفعل على حسابات الرافعة المالية خلال حالات الارتفاع. ولذلك، أفلست كل من صناديق التحوط المالية وجهات الإقراض واُجبرت على أزمة السيولة وارتفاع نسبة الانسحاب بين العملاء.

بينما قال من جهته المُطور الرئيسي لدى Seasonal Tokens والذي يستخدم الاسم المستعار رودهان أو مُوجهاً حديثه لمواقع إخبارية موثوقة ذات علاقة: " كان هناك حالة تفاؤل غير طبيعية بشأن أسواق البيتكوين الصاعدة، حيث توقع الكثيرون في المجال وصول سعر البيتكوين إلى أكثر من 100.000$ بحلول منتصف العام 2022 الأمر الذي دفع الشركات للاحتفاظ بالمزيد من البيتكوين بدلاً من الدولار في احتياطاتها النقدية وبالتالي تعتمد في نجاحاتها على بعضها البعض. وعندما واجهت رموز Terra LUNA مشكلة في المجال، كان من الضروري تصفية عملات البيتكوين لمحاولة إبقائها الأمر الذي أدى بدوره إلى تدمير قيمة الاحتياطات النقدية لدى العديد من الشركات وسلسلة من الإخفاقات التجارية التي أدت إلى زيادة انخفاض الأسعار بصورة ملحوظة ".


اقرأ هذا الخبر| الهيئة التنظيمية في جزر البهاما تمتلك 3.5$ مليار من أصول عملاء FTX


وفي أعقاب انهيار عدد من جهات إقراض العملات المشفرة، قام الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي السابق لبورصة FTX السيد سام بنكمان فرايد بعدة مهام هادفة لإنقاذ شركات التشفير المنهارة. وكانت البورصة الأسرع نمواً خلال شهر يوليو عروض السيولة المبكرة لعملاء Voyager. كما عرضت من جهتها الشركة الفرعية التابعة للبورصة الأمريكية شركة FTX.US شراء جهة إقراض التشفير الأمريكية BlockFi مقابل 240.000$، إلى جانب استحواذها على Liquid Group و Good Luck Games و Bitvo.

وعلاوة على ذلك، ساهمت ظروف الاقتصاد الصعبة للغاية في شتاء العملات المشفرة الذي شهد انخفاضاً ملحوظاً في أسعار العملات المشفرة إلى أدنى مستوياتها القياسية. حيث انخفض سعر البيتكوين بنسبة 14% إلى أقل من 24000$ باعتباره أدنى مستوىً لها منذ ديسمبر من العام 2020 الأمر الذي دفع مُمثلو التشفير الرئيسيّين بما فيهم بورصة Coinbase و Gemini و BlockFi المُفلسة للإعلان عن انخفاض نسبة الوظائف لديها. كما أرجع خبراء المجال حالة التخفيض الجماعي إلى عدم الاستعداد من جانب أصحاب المصلحة. وبغضّ النظر عن ذلك، قد مكنتهم بعض الجيوب الكبيرة لدى كل من FTX و Binance من التوسع والازدهار وسط حالات الجفاف، ولكن السؤال من ربح خلال شتاء التشفير بورصة Binance أم FTX ؟

وفي خضم شتاء التشفير خلال فصل الصيف، تم إنهاء عملية دمج Ethereum وحالة الانقسام الثابت لتقنياتها القائمة على blockchain من Proof-of-work إلى Proof-of-Stake يوم 15 سبتمبر. وقد ذكرت مواقع إخبارية ذات علاقة إن المستثمرين يواصلون بالفعل اتباع مسار عمل حذِر على الرغم من بعض الأحداث الهامة عبر المجال. وبينما بدت بورصة FTX وكأنها تتجه نحو الهيمنة على المجال، ولكن سرعان ما انفجرت أعمالها. ففي نوفمبر، كشف تقرير Coindesk عن أن شركة التشفير التي اتخذت من جزر البهاما مقراً لها قد كانت تدعم أعمالها من أموال العملاء من شركة التجارة الكمية الشقيقة Alameda Research. ولقد تسببت المزيد من الأخبار إلى جانب قرار Binance بسحب رموز FTX بأزمة سيولة دفعت الشركة لتشغيل أداة مساعدة لإنقاذ رأس المال. وبالتالي، ستتخلى Binance في وقتٍ لاحق عن صفقة معينة للسيطرة على البورصة مُشيرةً إلى بعض مخاوفها تجاه الموارد المالية. وقد تقدمت لاحقاً بورصة FTX بطلب للحماية من الإفلاس في الولايات المتحدة واستقال عندها سام بنكمان فرايد من منصبه كرئيس تنفيذي لها. بل وأشارت بعض التقديرات إلى أن انهيار البورصة قد كلف المستثمرين أكثر من 8$ مليار من الخسائر.

ويعتقد من جهته باول أندروشكيويتز من منصب الرئيس التنفيذي للعمليات التجارية لدى VAOIT أن فشل بورصة FTX دليل واضح على أن أعمال التشفير تعمل بأسلوب الغرب المتوحش، وأوضح قائلاً: " لا يتعين عليهم الالتزام بأية قواعد ومعايير معينة، فنادراً ما يتم تدقيقها من منظور أمن المعلومات أو الإدارة الفنية أو المالية. كما يتم تأسيسها غالباً على يد المطورين أو المتحمسين للتكنولوجيا الذين يحتاجون بالفعل لاكتساب المزيد من الخبرات والعمليات المُتعددة الأوجه ".

وفي آخر تحديثاتها، ذُكر إنه قد تمّ القبض على سام بنكمان فرايد في جزر البهاما وتم تسليمه للولايات المتحدة بتهمة الاحتيال التي وجهتها إليه هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية وهيئة تداول السلع الآجلة. ولكن، تمّ إطلاق سراحه مؤخراً بكفالة شخصية قيمتها 250$ مليون. ويعتقد من جهته بيدرو إسحاق لوبيز من منصب كبير مسؤولي النمو لدى THORWallet DEX أنّ رد الفعل العنيف والمشاعر السلبية التي أعقبت انهيار بورصة FTX سيكون من الصعب التخلص منها بسهولة ولكنه قال إنها ليست بضربة قاتلة. واستمرّ: " هناك أشخاص بارعون يبتكرون في هذا المجال يستحقون بالفعل ثقة الجمهور، وسيكون من واجبهم هنا دعم حالات الاستخدام الأصلية في مجال التمويل اللامركزي DeFi واستعادة الثقة ".

وعلى الرغم من بعض الأحداث ذات العلاقة، وجدت دراسة حديثة أجرتها واحدة من أكبر بورصات المشتقات العالمية Eurex أن حالات التبني المؤسسية للعملات المشفرة لا تزال إلى الآن على المسار الصحيح هذا العام على الرغم من بعض حالات الانخفاض في الأسعار وإخفاقات الشركات المشفرة هذا العام. وقال من جهته فرانك كورفا من منصب كبير مُحللي الأصول الرقمية لدى Finder: " أتخيل أن معظم المؤسسات هنا تعتقد أن العملات المشفرة موجودة لتبقى، وربما ينظر البعض لمثل هذا الانهيار على أنه فرصة شراء. ولم يعد التشفير بشكل عام فئة أصول مُحرمة أو هامشية، حيث أبرمت مؤخراً Polygon صفقات تجارية جيدة مع كل من Starbucks و Disney ".

كما تعتقد سندي يونغ من جهتها باعتبارها المدير العام لأوروبا لدى Ripple أن حالات التبني المؤسسية الواسعة لتقنيات blockchain والأصول الرقمية سوف تتسارع مع إطلاق الشركات لبرامج تدريبية معينة ومواصلة التحقيق في التكنولوجيا. ومما ورد عنا: " لم تعد البنوك تتساءل عما إذا كانت تحتاج استراتيجيات تشفير ولكنها تسأل نفسها بالفعل ما ينبغي أن تكون هناك استراتيجية تشفير خاصة أم لا. وهناك اعتراف من بعض المؤسسات المالية التقليدية بأن التكنولوجيا موجودة لتبقى الأمر الذي يخلق المزيد من الفرص لتحقيق أكبر قدر من الكفاءة التشغيلية والشفافية والسرعة في البنية التحتية المالية الحالية ".


اقرأ هذا الخبر| متطلبات مكافحة غسيل الأموال AML وأفضل ممارسات الامتثال لمعالجات الدفع


وبالنسبة للجزء الأكبر من الأعمال، تُساهم أحداث 2022 في إبقاء الجهات التنظيمية على أهبة الاستعداد، حيث توصل الاتحاد الأوروبي يوم 30 يونيو إلى اتفاق مؤقت بشأن تنظيم أسواق الأصول المشفرة MiCA الذي يسعى بالفعل لوضع حدّ لأعمال الغرب المتوحش المشفر في أوروبا. ومع ذلك، أفادت مواقع إخبارية بأن التنظيم ينبغي أولاً أن يقود عملية توحيد مشهد التشفير المُجزأ في القارة. كما قدم بعض المشرعين الفيدراليّين في الولايات المتحدة مشاريع قوانين تسعى جاهدة لتنظيم العملات المستقرة وأصول التشفير الأخرى وحماية المستهلكين. وذلك حتى في الوقت الذي كان فيه الأمر التنفيذي الصادر عن الرئيس جو بايدن بشأن تنظيم الأصول الرقمية في مارس يُمثل مرحلة هامة من تنظيم العملات المشفرة في الولايات المتحدة. ولكن، كيف ستتشكل ؟

ويعتبر من جهته جيز محي الدين من منصب المؤسس الشريك والرئيس التنفيذي لشركة Laser Digital للأعمال الرقمية التابعة لبنك Nomura إن ما يجب أن يحدث هنا هو الدفع للمزيد من المعايير عبر ولايات قضائية مختلفة للسماح لمؤسسات التشفير للعمل معاً بطرق واضحة وشفافة. وقال: " عادةً ما يحتاج المشرعون للنظر في تقنيات Web3 و DeFi على أنهما امتدادات للاقتصاد الحالي وليس بكيانات منفصلة. كما ينبغي مراعاة الفروق الدقيقة في المجال والترابط بين المنصات ذات العلاقة بالعملات المشفرة وعلاقتها بالعروض التقديمية ".

وقد استمر السباق حول العالم على العملات الرقمية الخاصة بالبنوك المركزية مع إطلاق مشاريع تجريبية جديدة في كل من الولايات المتحدة وأوروبا وإسبانيا. حيث تتطلع هذه البنوك إلى فرض المزيد من القيود على تعرضات أصول التشفير بحلول العام 2025. وقال من جهته دوج بروكس من منصب كبير المستشارين لدى XinFin: " من الهام جداً تحقيق توازن ما بين فرض المزيد من القواعد ونهج عمل أكثر ليونة مع عدم الإضرار. كما ينبغي على الهيئات التنظيمية أن تكون حريصة على بقاء الصناعة سهلة الاستخدام ".

وفي العام 2022 المليء بالدراما والأحداث عبر المجال، كيف ستلعب العملات المشفرة دورها خلال العام 2023 ؟

يعتقد عدد من الخبراء إن عملية تنظيم العملات المشفرة ستكون جزءً كبيراً من أعمال العام 2023، ولكن يعتقد آخرون أن العاصفة لن تنتهي بعد. حيث قال من جهته سيمون مازوكا من منصب المؤسس الشريك والرئيس التنفيذي لكيان Wallex Custody: " أؤمن بشدة إن العام 2023 سيكون عام التبني المؤسسي عبر مجال العملات المشفرة ككل بصورة أكثر شفافية عبر الأسواق المالية، ونحن هنا من أجل ذلك. وعلى الجانب التنظيمي، إنني أتوقع أن أرى تقدماً سريعاً في الإجراءات التنظيمية مدفوعةً بأحداث العام 2022 ".

أما بالنسبة إلى فرانك كورفا -كبير مُحللي الأصول الرقمية لدى Finder- قال إنه لن يكون مفاجئاً في حال انفجرت مجموعة جديدة من الشركات خلال العام المقبل وقال إن هذا قد يحدث قبل أن يستقر الغبار على مجال العملات المشفرة بشكل عام. حيث لا يزال الكثيرون ينتظرون بفارغ الصبر معرفة ما إذا كانت بورصة Genesis المعروفة للإقراض والإقتراض والمسؤولة عن تشغيل شركة Gemini Earn ستُعالج بالفعل 900$ مليون في عمليات الاسترداد التي تدين بها بالفعل لعمليات Gemini Earn أم لا. وفي حال عدم معالجتها في ظل اندلاع مثل هذه الأحداث، قد يؤدي ذلك إلى المرحلة التالية من التصفية، وبالتالي المزيد من المعاناة في المجال خلال الربع الأول من العام 2023 ".