بينما كان العام 2021 يعتبر العام الذهبي بالنسبة للعملات المشفرة، إلا أنّ هذا العام 2022 لم يكن كذلك. حيث فقدت العملات المشفرة الرئيسية هذا العام حواليّ 50% من قيمتها خلال الأسواق المالية الهابطة، وبالتالي من الصعب أن نتخيل الآن أنه في مثل هذا الوقت من العام 2021، كانت عملة البيتكوين المشفرة تتجاوز 60.000$ وأنّ شتاء التشفير المذكور في السابق لم يكن مفاجئاً بل كان متوقعاً بالفعل. كما كان التأثير المالي المُعيق الناتج عن الوباء والحرب الروسية على أوكرانيا كبيراً أدى إلى ارتفاع نسبة عمليات التصفية.

ومن أجل التعامل مع الزيادة الغير مسبوقة في تكلفة المعيشة، كان من الواضح أن المتداولين سيتخلّون بسرعة عن الأصول المالية الأكثر خطورةً لديهم. كما كانت عملية تشديد العروض النقدية وسط ارتفاع أسعار الفائدة تعني أن قيمة الأصول المالية المُتقلبة مثل العملات المشفرة ستنخفض بالفعل الأمر الذي ساهم في ظهور الأسواق المالية الهابطة باستمرار.

والسؤال هنا، ما هو الجانب المُشرق في ذلك؟

ينبغي علينا أن نفهم أولاً أن العملات المشفرة ليست الأداة المالية الوحيدة التي تنهار الآن، فمن العملات السائدة وحتى الأسهم والسندات المالية، تأثر بالفعل كل جانب من جوانب المعاملات المالية بالأزمة المستمرة والملحوظة. ولكن صدق أو لا تصدق، أظهرت الأصول المشفرة وأصول DeFi الأخرى مثل رموز NFTs مرونتها بشكل أفضل بكثير من الأصول المركزية الأخرى خلال هذه الفترة.

لذلك ونظراً لأننا لا نزال في أسواق مالية هابطة وعلى وشك الدخول في فترة ركود اقتصادي أكثر حدةً، فهل يعتبر هذا هو الوقت المناسب لدخول مجال العملات المشفرة ورموز NFTs ؟

دعونا نرى ما تقترحه بعض التوجهات الإحصائية ذات العلاقة.

من الناحية التاريخية، تُعرف العملات المشفرة بأنها متقلبة للغاية بينما تعتبر الأسهم الرئيسية مثل أسهم S&P 500 وأسهم NASDAQ خيارات استثمارية أكثر استقراراً ذات مخاطر منخفضة. ورغم صحة ذلك بالعموم، إلا أن هناك بعض الخطوط الدقيقة في تحركات أسعار الأسهم التي تُشير إلى أنّ العملات المشفرة من الدرجة الأولى قد أظهرت استقراراً أكثر من الأسهم التقليدية خلال هذا الركود الاقتصادي. ولقد أعلن الاحتياطي الفيدرالي عن مُخططاته بزيادة أسعار الفائدة بنسبة 1.25%، وبذلك يصل إجمالي أسعار الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى 4.5-4.25% بحلول نهاية هذا العام. كما تعني تكاليف الاقتراض المرتفعة أن الأسهم المالية وأصول الخزانة المالية ستنخفض على المدى القصير. ومع ذلك، نظراً لأن الخزانة المالية قد ساهمت في دفع زيادات قدرها 2% مُقدماً، فمن المتوقع أن يكون العائد طويل الأجل من سندات الخزانة بطريقة أفضل من الأسهم المالية، حيث يُمكن بالفعل إعادة استثمار المزيد من الأصول المستحقة في سندات الخزانة الجديدة.


اقرأ هذا الخبر| أهمية تدفق الطلبات في مجال تداول الفوركس


ولكن، كيف تتناسب الأصول المالية المشفرة مع هذا السيناريو ؟

في حين أن الرموز المميزة الرئيسية مثل البيتكوين والإيثيروم قد فقدت أكثر من نصف قيمتها خلال العام الماضي ويبدو أنها أنشأت مستوى مقاومة مستقراً إلى حدٍ ما خلال الأشهر الأخيرة. وفي حال رأينا مُخطط سعر خاص بالبيتكوين لمدة شهرين، إلا أنها بقيت مستقرة إلى حدٍ ما ما بين 19.000-20.000$، وبالمثل تراوحت قيمة الإيثيروم حينها ما بين 1200-1300$ خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

وتُشير توجهات الأسعار المذكورة إلى أن العملات المشفرة من الدرجة الأولى قد تعرضت بالفعل لعملية تصفية جماعية، ومن المتوقع الآن أن تحافظ أسعارها على مستوى مقاومة معين خاصة في ظلّ عدم تركيز معظم الأصول المالية على أصحاب العملات على المدى القصير، وهذا يعني أن البيتكوين وأصول التشفير الرئيسية الأخرى يُمكنها أن تعمل مثل سندات الخزانة المالية. وفي الواقع، انخفض أساس تكلفة أصحاب البيتكوين على المدى القصير إلى ما دون أساس تكلفة أصحابه على المدى الطويل، ويعني ذلك أن معظم حاملي البيتكوين على المدى القصير سيبقون تحت الضغط. وفي حال بقي العرض الإجمالي للبيتكوين مركزاً بشكل كبير على حاملي العملة على المدى الطويل، فقد نشهد ارتفاعاً آخر ملحوظ ولكن ببطء وثبات، حيث تميل الآن مخاطر التصفية إلى أن تكون منخفضة بالنسبة لأصحاب المدى الطويل.

وإذا أردنا مقارنة انخفاض الأسعار في كل من البيتكوين والإيثيروم مع مؤشرات S&P 500 و NASDAQ، يُمكننا ملاحظة كيف بقيت هذه الأصول المالية أقلّ تقلباً من أسواق الأسهم المالية خلال الأشهر الأخيرة. كما يقع الآن مؤشر VIX حالياً عند 31.10%، وهذا يقيس مدى تقلبات الأسهم المالية الأمريكية. ومن ناحية أخرى، يبلغ مؤشر تقلبات البيتكوين حالياً 19.65% بينما يبقى مؤشر تقلبات الإيثيروم وسولانا عند 4.35% و4.27% على التوالي وتظهر استقراراً أكبر بكثير من أسواق الأسهم الأخرى.

وحول ما يتعلق بالاستقرار، فمن المُدهش أن أسواق رموز NFTs قد أنتجت أحد أكثر العائدات المالية استقراراً في الأسواق المالية الهابطة، بل وتُظهر بعض النتائج المالية أن عدد المتداولين في رموز NFTs قد ازداد بنسبة 36% خلال الربع الثالث من العام الجاري 2022 مقارنةً بالعام الماضي. فقد سجلت مبيعات هذا النوع من الرموز في سبتمبر هذا العام حواليّ 947$ مليون لتعكس زيادة ملحوظة تماماً عن الشهرين الماضيين، حيث تمّ تداول حواليّ 8.78 مليون رمز من رموز NFTs في سبتمبر، وهذا يعني سلفاً حواليّ 3 مليون منذ يوليو فقط.


اقرأ هذا الخبر| إضفاء الشرعية على NTFs وما الذي تبحث عنه


وتعتبر هذه الأرقام والنتائج المالية هامة جداً نظراً لأن مبيعات ومعاملات هذا النوع من الرموز تزداد باستمرار حتى مع تراجع الاقتصاد بشكلٍ عام، وهذا يعني أن نسبة اعتماد هذه الرموز تصبح أقوى مع مرور الوقت. وفي حقيقة الأمر، يمتلك ما يُقارب 23% من جيل الألفية في الولايات المتحدة أصولاً مالية غير قابلة للمبادلة الأمر الذي يعتبر مدفوعاً بفوائد رموز NFTs. حيث لم تعُد مثل هذه الأصول المالية مجرد مُقتنيات رقمية ولكنها تحمل قيمة واقعية ملموسة نتيجة بعض الشراكات مع علامات تجارية عالمية ومرافق حقيقية ذات علاقة.

وعلاوة على ذلك، تُطلق بعض العلامات التجارية العالمية والمؤسسات الكبيرة الرموز الغير قابلة للمبادلة الخاصة بها لمزيد من التفاعلات الرقمية عليها القائمة على المكافآت. ويُقال إنّ أكبر مُصدّر للصناديق المتداولة في البورصة شركة BlackRock تُطلق الآن صناديق Metaverse وتطرح مجموعات من رموز NFTs الخاصة بها. كما سمحت من جهتها شركة Mastercard لِحاملي بطاقاتها بشراء رموز NFTs في العديد من الأسواق المالية، وهي تعمل الآن على إصدار بطاقة لهذا المجال قابلة للتخصيص بالشراكة مع hi. ويُشير بالتأكيد هذا التبني المتزايد والمنفعة والتكامل في العالم الحقيقي إلى حقيقة أن الرموز الغير قابلة للمبادلة هي في الواقع واحدة من أكبر فئات الأصول المالية استدامةً في المجال الرقمي حالياً والمُتوقع أن تستمر في الأداء الجيد حتى خلال فترة الركود.

وفي الختام، نقول إن العملات المشفرة قد كانت مثل الرموز الغير قابلة للمبادلة NFTs أكثر استقراراً من أسواق الأصول المالية المركزية خلال الأشهر الأخيرة الأمر الذي يُشير بالفعل إلى أنّ أصول blockchain و DeFi قد تظهر المزيد من الاستدامة خلال فترة الركود المُقبلة ما يجعلها منافساً قوياً لِقرارات الاستثمار في الأسواق المالية الهابطة. وتجدر هنا الإشارة إلى أن كريس ستيوارت أولدفيلد هو من يعمل الآن في منصب كبير مسؤولي استراتيجيات CSO لدى Fit Burn.