إنه من الواضح أن أسعار الذهب الآن آخذة في الصعود والارتفاع، فقد وصلت يوم 18 فبراير أعلى مستوياتها على مدار عام ونصف تقريباً واتّضح أن السبب الرئيسي وراء ذلك هو الصراع الروسي الأوكراني والمواجهة الحدودية المتوترة بينهما خاصة وأن القوات الروسية الآن تستعدّ للهجوم في أيّ لحظة، وهذا بدوره دفع التجار إلى اتّخاذ ملاذاً آمناً من الذهب بسبب التأثير الاقتصادي الكبير الغير مسبوق للحرب الروسية على أوكرانيا. 

وعلى الرغم من أنّ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كان يُخطط لرفع أسعار الفائدة والتي من شأنها أن تؤثر على الطلب على الذهب، إلا أنه لم يفعل نظراً لارتفاع أسعار الذهب منذ بداية فبراير بسبب ارتفاع نسبة المخاطرة في روسيا، وذلك حسبما ورد عن TD Securities. ومن المعروف أن التجار عادةً يميلون إلى الذهب عندما يشعرون بحدوث ركود اقتصادي أو أزمة اقتصادية معينة كملاذاً آمناً نظراً لأنه معدن ثمين ذات أداء جيد في هذه الظروف، حيث كان قد أبدى أداءً مُثيراً خلال أزمة كورونا عام 2020 وسط أشهر الوباء التي شهدت تحسناً ملحوظاً على الطلب على الذهب وعلى أسعاره. 

وعادةً ما يميل غالبية المتداولين إلى الذهب في أوقات التوترات الجيوسياسية على أنه ملاذاً آمناً -كما ذكرنا- نظراً لأنه أقل عرضةً لعدم الاستقرار من الأدوات المالية الأخرى. ودعونا الآن نلقي نظرة شاملة على أعمال جميع المشاركين في تداول عقود الفروقات الخاصة بالذهب حول العالم بدءً من احتياطات الذهب الروسية وصولاً إلى أسعار الدولار الأمريكي والذهب بهدف الحصول على فكرة أشمل حول ما تتجه إليه الأسعار. 


اقراء هذ الخبر | الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى أين يتجه البيتكوين Bitcoin والنفط الخام؟


وعلى الرغم من ذلك، كانت أسعار الذهب قد تراجعت يوم 24 فبراير عندما بدأ الغزو الروسي على أوكرانيا، وقال حول ذلك السيد إد مايا من شركة OANDA: " يبدو أن مجموعة Wall Street التجارية كانت تتوقع موقفاً أكثر تشدداً ضد روسيا كأن يتم طردها من شبكة SWIFT الاقتصادية المصرفية العالمية أو معاقبة الرئيس بوتين شخصياً ". 

كما انخفضت في تلك الفترة أسعار الذهب الفوري بنسبة 1.6% إلى أن وصلت 1.878.44$ للأوقية (الأونصة) الواحدة، لينخفض أيضاً في اليوم التالي بنسبة 1%. ولكن، علق على ذلك السيد دانيال بريسمان من بنك Commerzbank، قائلاً: " نعتقد أن انخفاض أسعار الذهب سابق لأوانه، ولكن الأهم من ذلك إن هناك مؤشرات خطر بحدوث مزيد من التصعيد في الصراع الروسي الأوكراني والذي قد يكون بمثابة تصحيح تنظيمي مؤقت ذات علاقة ". 

ورأى السيد تشاو فو من بنك الصين الشعبي أن الخطر المستمر في أوكرانيا وجاذبية الذهب كملاذاً آمناً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة عاملان رئيسيان لصالح الذهب نفسه وحذر خلال حديثه من أنّ الاتجاه الصعودي محدود بسبب احتمالية قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة في مارس. 

ومن الجدير بذكره هنا، احتل احتياطي الذهب الروسي المرتبة الخامسة في العالم عندما تجاوزت روسيا الصين خلال العام 2018 وبدأت بشراء الذهب بهدف تنويع استثماراتها الأمريكية. فقد كان البنك المركزي الروسي قد أعلن يوم 27 فبراير هذا العام -وبعد انقطاع دام لمدة عامين كاملين- عن توقعاته بازدياد احتياطات الذهب الروسية ضمن إجراءات الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي خلال فترة التوترات والعقوبات الاقتصادية التي عمت العالم الآن. 

وكانت العديد من الدول حول العالم بحلول يوم 28 فبراير قد فرضت المزيد من العقوبات الاقتصادية الشديدة على روسيا من ضمنها منع البنك المركزي الروسي من استخدام احتياطاته النقدية لمواجهة الظروف الحالية، كما تمّ عزل بعض القادة الروس عن نظام SWIFT المصرفي العالمي. وبناءً عليه، خشي المزيد من المتداولين من أن يكون النمو الاقتصادي العالمي تحت التهديد الآن ولجؤوا إلى الذهب الذي ارتفع مؤخراً بنسبة 2.2% نظراً لأنه كان الأداة المالية الأفضل أداءً من بين جميع الملاذات الآمنة التي يلجأ إليها عادةً المتداولين، حيث بلغ سعره حوالي 1.899.03$ للأوقية (الأونصة). 


اقراء هذ الخبر | العملات المشفرة سلاح قوي بين روسيا و أوكرانيا


وأضافت من جهتها صحيفة Bloomberg إنّ هناك توقعات بحصول الذهب على دعم كبير في ظلّ انخفاض نسبة التشديد النقدي الكبير الذي يُظهره بنك الاحتياطي الفيدرالي. ومع تفاقم حجم الأزمة الأوكرانية الآن، من الأفضل ألا تواجه أسعار الذهب مشكلة كبيرة في الاستقرار فوق 1900$ خاصة مع ميوله ناحية 2000$ في حال تصاعدت هذه الأزمة الجيوسياسية بصورةٍ أكبر. 

ومن جهته، يتوقع السيد هان تان من شركة Exinity ارتفاع الذهب بنسبة تصل إلى 6% في فبراير. ففي حقيقة الأمر، لم تكن العواقب الاقتصادية للصراع الروسي الأوكراني واضحة بنسبة 100% مع بداية شهر مارس على الرغم من أن هان تان قد أشار إليها. فغالباً ما ترفض الحياة الواقعية توقعات المُحللين الاقتصاديّين في مثل هذه الظروف وغيرها التي تؤثر أيضاً على أسعار الذهب مثل الدولار الأمريكي. 

ويعتبر كل من الذهب والدولار الأمريكي أداتين ماليّتين مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً، فالذهب مُقوّم بالدولار الأمريكي وفي حال أصبح الدولار الأمريكي أقوى مقارنةً بالعملات العالمية الأخرى، فإنه ستميل أسعار الذهب بالدولار الأمريكي إلى الانخفاض نظراً لأن حاملي العملات الأخرى سيتمكّنون من شراء القليل من الذهب وبالتالي تنخفض نسبة الطلب عليه. 

وبالتأكيد تؤثر جميع هذه العوامل المذكورة على تداول الذهب في المستقبل القريب مع الأخذ بعين الاعتبار أن تكون على اطّلاع دائم حول ما يتعلق بكل من الذهب والدولار الأمريكي خاصة خلال هذه الأسابيع مع ضرورة متابعة أخبار الصراع الروسي الأوكراني وملاحظة أسعار الفائدة المتأثرة به. 

والآن، تسمح أسعار الذهب المتداول عن طريق عقود الفروقات المرتبطة به للمتداولين بالاستفادة من تقلبات الأسعار هذه سواء بالارتفاع أو بالانخفاض على حدٍ سواء والتي من شأنها أن تساعدهم في التعامل معها دون الحاجة لشراء الذهب فعلياً والبقاء ضمن أول المُطلعين على أخبار الذهب الهامة لمعرفة المزيد حول قرارات الاستثمار والتداول المرتبطة به.