لقد كانت أسواق السلع الأساسية مُتفائلة تماماً مع اقتراب عام 2022 حيث استمر الطلب خلال العام 2021 بالعودة إلى المستوى الطبيعي خاصة بعد فترة الهدوء الوبائي الفترة التي بدأت فيها الاقتصادات العالمية بالانتعاش وتحقيق مستويات قياسية في جميع المجالات. وقد تكيّف بالفعل الآن كل من سلوك المستهلكين والمنتجين مع الواقع الوبائي لفترة زمنية طويلة حيث لم تعُد الصدمات الوبائية المُماثلة قادرة على التأثير بشكل مُفرط على الطلب. وعلى الرغم من أن مُتمحور أوميكرون الآن تسبب بالفعل في فرض المزيد من القيود خلال نهاية العام، إلّا أن الطلب على السلع لازال مستمراً في الارتفاع إلى جانب عمليات التصنيع التي استمرت بالعمل والنمو في كل من آسيا وأوروبا. 

ولقد أدت بالفعل الخدمات المرنة ذات العلاقة في الطلب إلى حدوث ارتفاع إيجابي وملحوظ في مجال السلع على مدار العام 2021 ومنها خام غرب تيكساس الوسيط WTI الذي أضاف أكثر من 50% (إلى قيمته) ومؤشر S&P GCSI للسلع الأساسية الذي أضاف أكثر من 37.10% مُتفوقاُ على جميع فئات الأصول الغير مشفرة الأخرى بما فيها العقارات (التي حققت زيادة نسبتها 35.10%) والأسهم (ومنها S&P 500 الذي حقق ما نسبته 26.90% و Russel 2000 الذي حقق 13.70%). 

والآن، ما هي الأسباب الهيكلية وراء ارتفاع أسعار السلع الأساسية بصورة ملحوظة هكذا؟ وهل من المُحتمل ألا يتأثروا بعوامل أخرى على مدار العام 2022؟ الأمر الذي سيدعم بالتأكيد الدورة الاقتصادية الحالية بل وسيُساعد فئات الأصول المختلفة على التفوق في الأداء على الأسواق المالية الأوسع مجالاً. 

-السياسة والتشريع …

فقد كان صُناع القرار والسياسات النقدية والمالية العالميّين مُتكيّفين بشكل لا يُصدق أثناء فترة انتشار الوباء حيث كان هدفهم الرئيسي هو الحفاظ على تحفيز الطلب، حيث كان عدد من البنوك المركزية مسؤولين عن ضخ معروض نقدي قياسي في الأسواق المالية خلال الفترة الممتدة ما بين عاميّ 2020-2021. حيث ارتفعت نسبة المعروض المالي M2 في الولايات المتحدة بأكثر من 40% خلال عامين، حيث كان ذلك بمثابة رياح خلفية رئيسية في أسواق السلع الأساسية الأوسع مجالاً ولكنه ساهم من جهةٍ أخرى في تقليل نسبة الاستثمارات مُنخفضة المخاطر مثل سندات الخزانة الأمريكية الحكومية. 

وتجدر هنا الإشارة إلى أنّ موقف البنوك المركزية في هذا المجال قد تغير بشكل ملحوظ خلال العام 2022 خاصة مع احتفاظ التضخم الاقتصادي بمسار تصاعدي ما دفع بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى النظر في تشديد مشترياته من الأصول ورفع أسعار الفائدة ذات العلاقة. ومن المُمكن أيضاً أن يخرج تأثير مثل هذه القرارات عن الأشرعة الخاصة بأسعار السلع على مدار العام، حيث سيكون أصحاب القرار دائماً بحاجة إلى العمل بحذر حتى لا تتم إعاقة أعمال مجال الائتمان. وإليك هنا نظرة على توقعات عام 2022 للسلع الأكثر تداولاً. 


اقراء هذ الخبر | شركة MarketAxess تشهد طلباً مثيراً لشهر يناير وارتفاع في أحجام التداول بنسبة 24%


-النفط

حيث تُمثل الآن أسعار النفط جوهر محادثات الدورة الاقتصادية الفائقة التي تتدفق على أساس أنها تمثل تكلفة استخراج وتحركات واستخدام السلع الأخرى، حيث تتوقع أيضاً الهيئة التقنية المشتركة JTC التابعة لمُنظمة OPEC العالمية فائضاً صغيراً في إنتاج النفط هذا العام.

وعلى الرغم من ذلك، لم تعمل مُجمعات الكارتل Cartel على تغيير مُخططاتها بإعادة الإنتاج تدريجياً إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا، ولكنها أعادت بالفعل إنتاج ما يُقارب 6.4 مليون برميل نفط يومياً بعد أن كان يتم إنتاج 9.7 مليون برميل يومياً خلال العام 2020. ويتوقع بالخصوص مُحللون اقتصاديون عاملون لدى مجموعة ING أن تؤدي هذه الزيادة في نسبة المعروض إلى توفير سقف مناسب لأسعار النفط هذا العام، ومع ذلك، لن يساهم ذلك في إكمال الصورة. ومن الجدير بذكره هنا، إنّ الجهات المسؤولة عن إنتاج النفط أبعد ما يكونون عن خوفهم من التقارير الاقتصادية التي تفيد بأن الطلب يقلّ بشكل هامشي عن الإنتاج، حيث تُقدر من جهتها هيئة JTC أن مخزونات الاقتصادات المُتقدمة تقل بمُعدل 85 مليون يرميل نفط عن المتوسط الذي تمّ تسجيله خلال الفترة المُمتدة ما بين 2015-2019. 

بالإضافة إلى ذلك، هناك شكوك جدية تماماَ حول قدرة الأعضاء من مُنظمة OPEC العالمية على تحقيق أهدافهم الإنتاجية. وبعد كل هذا، انخفضت نسبة الأهداف المذكورة بنسبة 40% عن الأهداف الإنتاجية لشهر ديسمبر، حيث تتوقع الآن أمريتا سين كونها واحدة من كبار المُحللين في مجال النفط لدى شركة Energy Aspects أن يُساهم الأعضاء بإضافة 130.000 برميل نفط و250.000 برميل يومياً خلال شهريّ يناير وفبراير مقابل 450.000 برميل يومياً. ولا شكّ في أن بعض أوجه القصور هنا مرتبطة بالفعل بأحداث القوة القاهرة في كل من ليبيا ونيجيريا. 

ولكن يتمثل الأمر المُثير للقلق بصورةٍ أكبر هنا في الصعوبة الكبيرة التي تواجهها روسيا باعتبارها من أكبر البلاد إنتاجيةً في العالم، وعلى الرغم من تعليقات هذه البلاد السابقة على الوباء حول عمليات الضخ الكبيرة الخارجية للمملكة العربية السعودية، لم تتمكن روسيا من زيادة نسبة الإنتاجية في البلاد خلال شهر ديسمبر ولم تسمح سوى بنصف نسبة الزيادة المسموح بها. 

ولقد نتج هذا التراجع عن نقصٍ حدث في نسبة الطاقة الفائضة في مضخات النفط العالمية. ومن خلال مجال عمّه نقص في مجال الاستثمار والإنتاج، يُمكن فقط للإمارات العربية المتحدة والسعودبة ضخّ براميل نفط بصورة أكبر مما قاما بضخّه خلال يناير من العام 2020. وعلى الرغم من الحوافز المُقدمة من البيت الأبيض الأمريكي، فإن ثبات الولايات المتحدة في صناعة الصخر الزيتي قد قللت أيضاً من التوقعات بنمو العروض السريعة ذات العلاقة. 

ومن جهتها، تتوقع شركة التحليلات Bloomberg أن تنخفض قيمة الطاقة الفائضة (الاحتياطية) الناتجة عن مُنظمة الأوبك OPEC العالمية إلى 2.3 مليون برميل نفط يومياً بحلول الصيف هذا العام، وهي أقل بنسبة ملحوظة عما كانت عليه في العام 2018، حيث عادةً ما يبلغ الطلب على النفط ذروته في فصل الصيف من كل عام في أوقات استخدام مُكيفات الهواء على مستوى العالم. كما إنه لدى بنك Goldman Sachs حالياً تقديرات أكثر تحفّظاً تبلغ قيمتها 1.2 مليون برميل نفط يومياً، وهو ما يُمثل حوالي 2% من أسواق النفط العالمية الأمر الذي من المُمكن أن يكون أشبه للوضع الاقتصادي خلال العام 2008 عندما أدت نسب الاحتياطي المالية المُماثلة إلى دفع أسعار النفط لتبلغ 147$.  

وفي هذه الأثناء، كان الطلب على عمليات التوسع رغم انتشار الوباء يتزايد باستمرار، حيث تتوقع هيئة الطاقة الدولية أن يرتفع بمقدار 3.3 مليون برميل يومياً خلال العام 2022 (أي الوصول إلى مستويات قياسية تنطوي على 99.5 مليون برميل) تمّ تسجيله خلال العام 2019. لذلك، ما أن يعود الطلب إلى مستويات ما قبل الجائحة، سيتراجع الطلب بالتأكيد. ويعتبر هذا المزيج مُهيأ لدفع أسعار النفط إلى ثلاثة أرقام أيّ إلى النقطة التي يبدأ فيها الطلب بالتراجع، وينعكس ذلك في العقود طويلة الأجل في أسواق العقود الآجلة إلى جانب ظروف السوق المالية الإيجابية كما هو مُوضح في لوحة معلومات التداول. 


اقراء هذ الخبر | تايلاند تلغي ضريبة التشفير المُقترحة البالغة 15%


-المعادن وعمليات التحول …

لا يزال إلى الآن سوق المعادن الأساسية العالمية ضيّقاً إلى حدٍ ما تماماً كأسواق النفط العالمية، حيث عادةً ما تشير الأسعار المرتفعة للتسليم الفوري مقارنةً بالعقود الآجلة إلى حدوث ارتفاع ملحوظ بالطلب مع تراجع الإنتاجية، ومن المُتوقع أيضاً أن يستمر هذا النقص في الإمدادات والذي تميزت به صناعة المعادن والتعدين خلال العام 2021 وحتى العام 2022 الجاري. وتجدر هنا الإشارة إلى أن هناك العديد من الاختناقات اللوجستية والتي ستؤثر بالفعل على العرض وبالتالي حدوث ارتفاع في الأسعار. كما إنه من المُرجح أن تدفع التوجهات في عمليات إزالة الكربون والانتقال إلى الاقتصادات (الخضراء) للمعادن المطلوبة بهدف بناء البنية التحتية والمنتجات اللازمة. ويُعدّ بالتأكيد الطلب على المعادن أمراً بالغ الأهمية في عملية التحول المذكورة والتي يُمكن أن تدعم ارتفاع الأسعار خلال العام بأكمله. وفي حين استمرّ العجز في العرض الهيكلي بالتأثير على ظروف السوق وإبقائها مرتفعة بالنسبة لعنصر النيكل الكيميائية، يظهر هنا الدور الرئيسي لعنصر البلاديوم في المبادرات البيئية ومبادرات الاستدامة التي من شأنها أن تدعم معنويات السوق تجاه هذه العناصر. 

وعلى الرغم من أنّ عودة العروض وأزمة الديون في الاستثمار العقاري الصيني قد أعاقت بالفعل ارتفاع أسعار الحديد، إلّا أنّ مُحفزات البُنية التحتية المُخطط لها في كل من الصين والولايات المتحدة وأوروبا يُمكنها أن تقدم المزيد من الدعم خلال العام 2022. 

-السلع الغذائية …

فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية العالمية بصورة ملحوظة إلى أعلى مستوياتها خلال العام 2021 ومن المُتوقع أن تبقى مرتفعة خلال هذا العام 2022، وقد أدى أيضاً ارتفاع تكاليف الطاقة إلى ارتفاع أسعار مُدخلاتها مثل الأسمدة ومعادن البناء. وفي هذه الأثناء، استمرت العديد من الاختناقات اللوجستية إلى جانب النقص في نسبة العمالة الداعمة لأسعار المنتجات الزراعية، حيث لا تزال صناعة المعادن واحدة من أكثر الصناعات عرضةً لكوارث المناخ التي أثرت بصورة ملحوظة على إنتاجية العام 2021. 

حيث يتم الآن تداول القمح -باعتبار مادة غذائية أساسية عالمية- عند أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات بسبب بعض الأحداث المُناخية الكبيرة التي تسببت في انخفاض نسبة الإنتاجية. وفي هذه الأثناء، انخفضت نسبة إنتاجية السكر والبن بسبب الصقيع في البرازيل الأمر الذي تسبب في حدوث خسائر  مالية كبيرة نتجت عن تغير المناخ وبعض الأحداث المًعاكسة الناتجة عنها والتي من شأنها أن تساعد في رفع الأسعار. فقد تعلّمنا من فترة انتشار الوباء الأهمية القُصوى لتخزين المواد الغذائية خاصة في ظلّ قيام المستهلكين والمؤسسات بتخزين هذه الإمدادات الغذائية اللازمة، ومن المُتوقع أيضاً أن يتم استيعاب أي زيادة في الإنتاج بهدف إلغاء أي تأثيرات على الأسعار. 

ومن الجدير بذكره هنا، هناك ارتفاع ملحوظ وكبير في أسعار السلع الأساسية خلال العام 2022، كما إننا نتوقع استمرار تفوق الدورة الاقتصادية الخاصة بالسلع وخاصة النفط هذا العام وعلى المدى الطويل أيضاً.