في مجال التكنولوجيا المالية ككُل، تعتبر صناعة التكنولوجيا المالية التنظيمية أحد المجالات الخاصة التي تتميز بها الشركات ذات خصائص النمو الهائلة، حيث حققت هذه الصناعة إيرادات مالية بلغت 5.32$ مليار في عام 2019 ومن المُتوقع أن تحقق ما قيمته 21.73$ مليار بحلول العام 2027، وفقاً لأحد التقارير المالية ذات العلاقة. كما تبدو إمكانات هذه الصناعة واضحة من خلال استحواذ شركة IHS Markits المُدرجة في بورصة Nasdaq على شركة Cappitech في وقتٍ سابق من هذا العام. وعلى الرغم من عدم الإعلان على البيانات المالية الخاصة بهذه الصفقة بالتفصيل، أفاد أحد المواقع الإخبارية أن الشركة المستحوذة (المالك الجديد) قد دفعت مبلغاً مقدماً بلغ 50$ مليون لشركة التكنولوجيا التنظيمية مع أرباح إضافية على أساس فترة أداء مدتها ثلاث سنوات تتراوح قيمتها ما بين 50-75$ مليون. 

والسؤال هنا: ما هي التكنولوجيا التنظيمية ؟ والسؤال الأهم: لماذا ازدهرت بهذا الشكل الآن ؟!

يمكن الآن تصنيف شركات التكنولوجيا التنظيمية إلى عدة فئات، منها ما يعمل على عرض مراقبة المعاملات المشبوهة ومنها ما يركز على تسهيل الحصول على تفاصيل محددة تشير إلى هوية العميل للتحقق منه. ولكن، تندرج جميع الخدمات تحت مهمة واحدة رئيسية وهي جعل الشركات المالية متوافقة إلى حدٍ ما مع الأطر التنظيمية الديناميكية. وبالخصوص، قالت السيدة صوفي غيربر في منصب مدير تنفيذي لدى Sophie Grace and TRAction Fintech: " لقد تزامن ازدهار صناعة التكنولوجيا التنظيمية مع النمو الكبير الذي نشهده في مجال التكنولوجيا المالية ككُل لاسيّما صعود شركات التكنولوجيا المالية في مجال استثمارات التجزئة العالمية ". 

وقد ساهمت اللوائح التنظيمية الخاصة بهذه الصناعة وتعقيداتها المتزايدة في هذا الازدهار الكبير إلى جانب العديد من العوامل الأخرى مثل زيادة نسبة الأنشطة المالية عبر الإنترنت الناتج عن انتشار جائحة كورونا وازدهار السوق المالية والتكنولوجية أيضاً. وقد علق على ذلك أيضاً مدير قسم تطوير الأعمال لدى شركة MAP Fintech السيد مارك إليس، قائلاً: " عند الإبلاغ عن مستوى التجارة، يمكن اعتبار هذا السوق ناضجاً بما يكفي حول ما يتعلق بتداول MiFIR و EMIR، ولكن شهدت أيضاً الشركات التي تستخدم التكنولوجيا في وظائف معينة مثل الرقابة التجارية ارتفاعاً ملحوظاً في عدد المشاركين في الأسواق المالية الجُدد. حيث يتطلع الناس الآن إلى أتمتة الأنظمة ومُحاولة التخفيف من تكاليف التوظيف التي تضاعفت بشكل ملحوظ بعد خروج بريطانيا من الإتّحاد الأوروبي وانتشار جائحة كورونا ". 

وهناك عامل آخر كبير يساهم بالفعل في ازدهار هذا المجال وهو التقدم التكنولوجي الكبير وخاصة تحديثات آليات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي حيث تستخدم معظم الشركات مثل هذه التقنيات المتقدمة في أتمتة العمليات التجارية. 


اقراء هذ الخبر | شركة Ayondo تستأنف إشعار الشطب الصادر عن بورصة سنغافورة SGX


ويظهر من هنا سؤال هام جداً، وهو: ما مدى التدخل البشري في هذه التكنولوجيا ؟!

وفي إجابةٍ لهذا السؤال، قالت السيدة ريموندا كيركتيرب مولر في منصب مؤسس شركة التكنولوجيا التنظيمية والرئيس التنفيذي فيها أيضاً: " الأمر مختلف، حيث يمكن لأحد منتجات التكنولوجيا التنظيمية الجيدة تقديم حلول وأنظمة مُتكاملة التنظيم. حيث يعتبر القاسم المشترك ما بين التقنيات المستخدمة ومدى التدخل البشري هو تمكين مسؤول الامتثال التنظيمي من التركيز على مجالات عمل معينة مرغوبة بدلاً من التركيز على بعض المهام المُتكررة ". 

وعلى الرغم من احتضان مثل هذه التقنيات، لا تزال المشاركة البشرية في مجال التكنولوجيا التنظيمية مُفاجئة -إن صحّ التعبير- ويوضح ذلك السيد إليس قائلاً: " عند النظر إلى العمليات التي أجرتها الشركات اليوم حول ما يتعلق بالوفاء بالتزاماتها التنظيمية، إننا نتفاجأ في حقيقة الأمر بشأن عدد الشركات التي لا تزال تعتمد على مثل هذه التدخلات البشرية ". 

حسناً، تعتبر التكنولوجيا التنظيمية صناعة حديثة نسبياً، لذلك لا تزال المتطلبات التنظيمية الخاصة بها غير واضحة تماماً ولا يمكن تعريف الشركات التي تعمل بها على أنها شركات خدمات مالية نظراً لطبيعة خدماتها التي تهدف إلى مساعدة الشركات الأخرى في تلبية متطلباتها التنظيمية المختلفة. كما لم تقدم أي من الجهات التنظيمية ذات العلاقة أية تراخيص خاصة بهذا النوع من الشركات إلى الآن. وأضاف السيد إليس: " لا يوجد هناك أية متطلبات خاصة بالترخيص التنظيمي ما لم تقُم بتشغيل "نقطة نهاية" معينة كما هو الحال في بعض المُستودعات التجارية أو آليات إعداد تقارير معتمدة أو حتى ترتيبات نشر معتمدة ". 


اقراء هذ الخبر | عضو سياسي: هيئة الضرائب في كوريا الجنوبية غير مستعدة لجمع ضرائب التشفير


ولكن، لا يعني ذلك أن شركات التكنولوجيا التنظيمية العادية لا تحتاج إلى الامتثال لأيّ من الأطر التنظيمية، فقد قال الرئيس التنفيذي لدى شركة Muinmos: " عادةً ما تخضع شركات التكنولوجيا التنظيمية إلى للتنظيم المباشر في مجال البيانات GDPR وقوانين البيانات الأخرى والتنظيم الغير مباشر عبر المؤسسات المالية التي تخدمها والتي تخضع عادةً لبعض المتطلبات التنظيمية التي تتعلق بالاستعانة بمصادر خارجية، وهذا يعني أنه بشكلٍ عام، يتعين على المؤسسات المالية تطبيق قدر معين من الإشراف والرقابة التنظيمية على وظائفها الرئيسية والتي عادةً ما تكون مضمونة بالتعاقد مع طرف ثالث وبالوسائل التكنولوجية المُتاحة ". 

ومع ذلك، ترتكز هذه الصناعة على وجهات النظر التنظيمية حيث يعتقد الكثيرون أن الرقابة الصارمة على هذا المجال ضرورية بالتأكيد لأن هذه الشركات تعتمد بالعادة على "وظائف رئيسية" بشكل مُتكرر في المؤسسات المالية. وأضافت السيدة كيركيترب مولر: " نظراً لأن بعض شركات التكنولوجيا التنظيمية قد تحولت إلى تقنيات هذه الصناعة بحكم الأمر الواقع وبالتالي تتمتع بالخاصية المُتصورة بما يسمّى "بالطابع التنظيمي"، فقد اعتقدت هذه الشركات أن تنظيمات هذه الصناعة من شأنها أن تعمل على تكافؤ الفرص المرتبطة بها. ومع ذلك وفي هذه الأيام، يبدو أن الأسواق المالية لم تعُد ترى الطابع التنظيمي ذات العلاقة خاصة عندما يتعلق الأمر بتقديم الخدمات إلى المؤسسات المالية ". 

ومن الجدير بذكره هنا، ليست هناك أية شكوك حول إمكانية ازدهار شركات التكنولوجيا التنظيمية بشكلٍ كبير، حيث تحقق الآن هذه الصناعة عائدات جيدة ذات معدلات نمو سنوية تبلغ 19.5% إلى جانب توسعات عالمية لشركات الخدمات المالية مع لوائح تنظيمية متنوعة في مختلف الولايات القضائية، وكل ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى زيادة الطلب على التكنولوجيا التنظيمية. وقالت السيدة غيربر أيضاً: " من المُفترض أن تستمر هذه الصناعة في النمو في المستقبل المنظور مع العديد من البلدان لا سيّما تلك الموجودة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ التي تستثمر بكثافة في هذا المجال. كما التزمت الحكومة الأسترالية هذا العام بتقديم منح بقيمة 10$ مليون لشركات التكنولوجيا التنظيمية من أجل إيجاد أنظمة مُبتكرة لمُواجهة مجموعة كبيرة من التحديات في إطار مبادرة أبحاث الأعمال والابتكار. وبالمثل، التزمت سلطة النقد في سنغافورة بدفع مبلغ قدره 42$ مليون لدعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا التنظيمية في إطار مُخططاتها بالتحول إلى القطاع المالي والابتكار ".